فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English

أقرت السلطات النقدية في كل من إندونيسيا والفلبين مؤخراً بعض أكثر السياسات تشدداً في الاقتصادات الآسيوية الناشئة. في الواقع، قام كل من بنك إندونيسيا المركزي وبنك الفلبين المركزي برفع أسعار الفائدة الخاصة بهما بمقدار 175 نقطة أساس منذ شهر مايو 2018. وفي حين أن وتيرة ومعدلات رفع الأسعار تجعل دورات التشديد في كل من إندونيسيا والفلبين تبدو متشابهة، إلا أن دوافع كل منهما مختلفة. ويبحث تحليلنا لهذا الأسبوع في كل من هاتين الحالتين.

تهدف الإجراءات التي اتخذها بنك إندونيسيا المركزي إلى دعم العملة وكذلك الحد من نقاط الضعف الخارجية للبلد. ومن المهم ملاحظة أنه ليس هناك ما يشير إلى وجود معيقات محلية للقدرة على النمو، حيث أن نمو الناتج المحلي الإجمالي يقل عن المستوى الممكن، كما أن معدل التضخم يراوح ضمن النطاق المستهدف من قبل البنك المركزي: 2.5 - 4.5 %.

تظهر الاختلالات الاقتصادية الكلية في إندونيسيا إلى حد ما في القطاع الخارجي. فقد ظل ارتفاع النفقات مقابل الدخل في قطاع الشركات والقطاع الحكومي غير المالي تتسبب في حدوث عجز مستمر في الحساب الجاري منذ عام 2011. وقد اتسع العجز مؤخراً من 0.9% من إجمالي الناتج المحلي في الربع الرابع من عام 2016 إلى 3.4% في الربع الثالث من عام 2018. وعلاوة على ذلك، فإن رصيد الموجودات والمطلوبات الخارجية سلبي. ويبلغ صافي مركز الاستثمار الدولي- الذي يعكس مخزون الموجودات والمطلوبات الأجنبية للمقيمين- للبلد ناقص 306 مليار دولار أو 30.0% من الناتج المحلي الإجمالي. ويعني هذا أن الإندونيسيين مدينون إلى بقية العالم. وتتركز أكثر المطلوبات الأجنبية لدى الشركات غير المالية والحكومة. كما أن وجود مقدار كبير من التزامات الديون طويلة الأجل لغير المقيمين بالعملة المحلية أمر بالغ الخطر على قيمة العملة المحلية.

وبالنظر إلى كل المعطيات أعلاه، فإن إندونيسيا معرضة بشكل كبير للتأثر بهروب رؤوس الأموال غير المقيمة. ومع استمرار بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في تطبيع السياسة النقدية وفي ظل ارتفاع عائدات السندات الأمريكية، سيكون على بنك إندونيسيا المركزي اتباع نفس الاتجاه أو حتى الاستباق لرفع أسعار الفائدة للمحافظة على أو زيادة فوارق أسعار الفائدة، أي الفرق بين أسعار الفائدة أو عائدات السندات المحلية والمؤشرات الأخرى التي يتم القياس استناداً عليها كسندات الخزينة الأمريكية. وهذا هو ما يهدف إليه محافظ بنك إندونيسيا المركزي بيري واريجيو من نهجه "الوقائي والاستباقي والمتقدم". ومن شأن ارتفاع عائدات السندات منح ميزة تنافسية للأصول المحلية وبالتالي منع أو الحد من هروب رؤوس الأموال.

وقد أدت إجراءات السياسة النقدية حتى الآن إلى تدعيم مصداقية بنك إندونيسيا المركزي، كما انتعشت الروبية الإندونيسية خلال الأسابيع الأخيرة. ورغم كون الروبية لا تزال على انخفاض أمام الدولار الأمريكي بنسبة 6.8% للسنة حتى تاريخه، فقد ارتفعت قيمتها بنسبة 4.9% منذ أواخر أكتوبر الماضي. ومن المتوقع أن يكون هناك مزيد من جولات رفع أسعار الفائدة حيث سيتم تتبع تطورات السياسة النقدية في الولايات المتحدة وأيضاً مراعاة المزاج العام حيال تحمل المخاطر. ومن غير المتوقع أن يتقلص عجز الحساب الجاري بشكل كبير قبل النصف الثاني من عام 2019، مع صعوبة التقليل من الواردات وتأثر الصادرات بشكل سلبي بتراجع أسعار السلع وتباطؤ النمو الآسيوي.

Chart AR

وعلى النقيض من ذلك، فإن التدابير المتخذة من قبل البنك المركزي في الفلبين مصممة للحيلولة دون إنهاك الاقتصاد وضبط توقعات التضخم. وبالفعل، تظهر في الأغلب اختلالات الاقتصاد الكلي في الفلبين داخلياً. فخلال الأعوام الأخيرة، ظل الناتج المحلي الإجمالي ينمو بوتيرة تفوق الإمكانات، وذلك يقيد الطاقة الإنتاجية ويخلق ضغوطاً تضخمية. فمعدلات البطالة والطاقة الإنتاجية الاحتياطية تقترب من أدنى مستوياتها التاريخية فقد بلغت 5.4% و15.8% على التوالي.

وبلغ التضخم الكلي في أسعار المستهلك 6.7% على أساس سنوي في الأشهر الأخيرة، وهو أعلى مستوى له في تسعة أعوام ويتجاوز النطاق المستهدف من قبل البنك المركزي الذي يتراوح بين 2 و4%. كما أن التضخم الأساسي، الذي لا يشمل أسعار الغذاء والطاقة، أيضاً مرتفع، حيث يبلغ 4.6% على أساس سنوي. وكان الأرز، الذي يعد الغذاء الرئيسي في الفلبين وثاني أكبر مكون في مؤشر أسعار المستهلك بوزن يبلغ قرابة 10% من إجمالي الأوزان، السبب الرئيسي في ارتفاع التضخم الكلي، فقد ارتفعت أسعار الأرز بنسبة 10.1% على أساس سنوي في أكتوبر من نسبة 1.4% المسجلة في بداية العام وذلك بفعل إعصار مانغكوت الضخم الذي أتلف المحاصيل وخلق نقصاً في الإمدادات. وتحاول الحكومة تخفيف المعاناة من خلال استيراد مؤونات من الأرز لكن الأسعار ستتأثر ببطء بعودة الإمدادات لمستوياتها الطبيعية خلال الأشهر القادمة.

وساهم عدد كبير من العوامل الخارجية والمؤقتة في ارتفاع التضخم، بما في ذلك أسعار النفط، وتأثير الزيادات غير المباشرة للضرائب المفروضة على المشروبات التي تحتوي على كميات كبيرة من السكر، والوقود، والتبغ، والكحول. كما أسهمت في ذلك مؤخراً عوامل إضافية مثل نمو الحد الأدنى للأجور وزيادة أسعار النقل.

كما تعززت مصداقية البنك المركزي الفلبيني بعد الارتفاعات الأخيرة. ومن المتوقع أن ينخفض التضخم نحو المستهدف في العام المقبل، حيث يتوقع البنك المركزي الفلبيني أن يصل المعدل 3.5% في العام 2019. كما ستكون البيئة الخارجية داعمة حيث بدأت أسعار النفط في الانخفاض سلفاً. وعلى الرغم من ارتفاع قيمة البيزو بنسبة 3.4% خلال الأسابيع الماضية، إلا أنها لا تزال منخفضة بنسبة 5.2% للسنة حتى تاريخه.

باختصار، كانت إجراءات السياسة النقدية القوية في إندونيسيا والفلبين مهمة لزيادة مصداقية البنك المركزي خلال هذه الفترة من

الصدمات. ومع ذلك، اختلفت الأسباب الجذرية للإجراءات التي تم اتخاذها في كلا البلدين. في إندونيسيا، يتمثل الهدف الرئيسي في معالجة الاختلالات الخارجية وتغطية العجز في الحساب الجاري والالتزامات الأجنبية، في حين أن الإجراءات في الفلبين تستهدف الاختلالات الداخلية للحد من الضغوط التضخمية.