فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير  عربي و English

على الرغم من ضعف تعافي منطقة اليورو وتصاعد المعوقات المرتبطة بتباطؤ النمو العالمي وازدياد الشكوك بشأن السياسة النقدية، قرر البنك المركزي الأوروبي إنهاء شراء الأصول في إطار برنامج التيسير الكمي في وقت أبكر مما كان مقرراً في السابق. يتطرق تحليلنا إلى النظر في طبيعة برنامج التيسير الكمي للبنك المركزي الأوروبي ويحدد الأسباب وراء القرار الأخير الذي يقضي بالمضي قدماً في خطط خفض برنامج التيسير الكمي.

تعتبر برامج التيسير الكمي أدوات غير تقليدية للسياسة النقدية يتم استخدامها بعد الأزمات المالية والركود الاقتصادي العميق. في مثل هذه الحالات، غالباً ما يجري تخفيض الديون لفترة طويلة من الوقت وتميل أسعار الفائدة إلى الوصول بسرعة إلى مستويات اسمية عند الصفر أو قريبة منه. ومن الناحية التشغيلية، فإن التيسير الكمي هو الإجراء الاستثنائي الذي تعمل البنوك المركزية من خلاله لتوسيع ميزانياتها العمومية عمداً إلى ما هو أبعد من المستويات العادية. ويتطلب ذلك من البنوك المركزية أن تقوم بشكل منهجي بشراء أوراق مالية مختارة من السوق الثانوية مقابل احتياطيات البنك. والهدف من ذلك هو إزالة الأوراق المالية طويلة الأجل من السوق، وبالتالي الضغط لأجل خفض أسعار الفائدة طويلة الأجل لتلطيف الظروف المالية أكثر. وقد أصبحت برامج التيسير الكمي، التي بدأ بنك اليابان المركزي تطبيقها في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، أداة للبنوك المركزية في أعقاب الأزمة المالية الكبرى في 2007-2008.

بدأ البنك المركزي الأوروبي رسمياً في تنفيذ برنامجه للتيسير الكمي، أو البرنامج الموسع لشراء الأصول، في مارس 2015. في ذلك الوقت، كانت الضغوط التي شكلها تراجع التضخم تخلق مخاطر انكماشية حقيقية على خلفية نوبات جديدة من الضعف الاقتصادي في أعقاب أزمة الديون الأوروبية. وقد تم تنفيذ برنامج شراء الأصول بعد سلسلة من التدابير النقدية غير العادية الأخرى مثل أسعار الفائدة السلبية على الودائع والتسهيلات التي قدمها البنك المركزي الأوروبي لتوفير تمويل أطول أجلاً للبنوك من القروض الجديدة. ووسع برنامج شراء الأصول أدواته غير التقليدية من خلال إطلاق أربعة برامج تستهدف الاستحواذ على أنواع مختلفة من الأصول، بما في ذلك سندات القطاع العام وسندات قطاع الشركات والأوراق المالية المدعومة بالأصول والسندات المغطاة. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، تحول برنامج شراء الأصول إلى الأداة الأساسية لقياس وضع السياسة النقدية في منطقة اليورو. وفي الواقع، تباينت أحجام شراء الأصول من قبل البنك المركزي الأوروبي، حيث بلغت ذروتها عند 80 مليار يورو شهرياً في الفترة 2016-2017. وبشكل عام، أضاف برنامج شراء الأصول موجودات بقيمة 2.3 تريليون يورو للبنك المركزي الأوروبي، مما ساهم في خلق فوائض في الاحتياطيات بقيمة 1.9 تريليون يورو.

Chart AR

ف 2017، أعلن البنك المركزي الأوربي عن نيته في بدئ تخفيض أو التخلي التدريجي عن صافي مشترياته من الأصول. ومؤخراً، أكد البنك المركزي الأوربي أنه سيوقف صافي المشتريات بعد ديسمبر 2018. وفي حين ينتظر الإفصاح عن مزيد من التفاصيل بشأن خطة التخفيض، سيواصل البنك المركزي الأوربي إعادة استثمار الأرباح المتحققة من السندات التي تحل تواريخ استحقاقها لمدد زمنية إضافية.

وهناك أربعة أسباب تشرح قرار البنك المركزي الأوربي بالتوجه نحو تطبيع السياسة النقدية.

أولاً، حققت السياسة النقدية غير التقليدية هدفها الرئيسي جزئياً. كما وفرت مدد الاستثمار القصيرة وعلاوات المخاطر ظروفاً مالية ملائمة، مما دعم الأنشطة الاقتصادية. وقاربت معدلات البطالة وطاقة الانتاج الصناعي الاحتياطية أدنى مستويات لها في عشر سنوات حيث بلغت 8.1% و16.1%على التوالي. وقد تم تحييد مخاطر الانكماش الاقتصادي بالكامل في الوقت الراهن.

ثانياً، هناك قيود على المشتريات الإضافية من سندات القطاع العام تفرضها قواعد مبطنة مرتبطة بأحكام معاهدة ماستريخت حول تمويل البنك المركزي الأوربي للدول الأعضاء. وحيث ينبغي أن يتناسب تكوين مشتريات الأصول مع الناتج المحلي الإجمالي (المعيار الرئيسي)، فإن البنك المركزي الأوربي يقترب من حدود ملكيته من السندات (ثلث الديون لكل بلد عضو) في عدد من البلدان. وإذا لم يقم البنك المركزي الأوربي بتخفيض برنامج التيسير الكمي، فإن السندات التي بمقدوره شراءها ستنفذ قريباً في ألمانيا وسلوفاكيا وفنلندا.

ثالثاً، من المتوقع أن يدفع تخفيض برنامج التيسير الكمي إلى زيادة تطبيع السياسة النقدية من خلال جولات من رفع أسعار الفائدة، مما سيتيح للسياسة النقدية التحوط لأي تراجع اقتصادي محتمل في المستقبل. وتكمن أهمية ذلك بالخصوص في كون الاقتصادات المتقدمة الرئيسية بلغت حقاً المراحل الأخيرة من دوراتها الاقتصادية وما يلوح في الأفق من ركود خلال السنوات القادمة.

رابعاً، لم يتمكن برنامج التييسر الكمي من تحقيق التضخم المستهدف من قبل البنك المركزي الأوروبي ، كما أن الآثار الجانبية لبرنامج شراء الأصول خلقت مخاوف بشأن الاستقرار المالي وتقويض أنظمة المعاشات التقاعدية. ولا يزال التضخم، وخاصة التضخم الأساسي، منخفضاً عند مستوى 1.9% و 1.1% على التوالي. لقد أدى التخفيف المفرط للسياسة النقدية إلى تضخم أسعار الأصول وتحفيز مزاج السوق بشكل أكبر من اللازم مع بروز خصائص مشابهة للفقاعات. علاوة على ذلك، وحيثُ أن الصناديق التقاعدية تعتمد على العائدات طويلة الأمد من أجل استيفاء الالتزامات المستقبلية، فإن تقليص الأوراق المالية طويلة الأجل يتسبب في حدوث أثر سلبي دائم على برامج التقاعد الأوروبية.

باختصار، لقد تمكّن البنك المركزي الأوروبي من منع حدوث انكماش من خلال تدابيره النقدية غير العادية، وكان برنامج التيسير الكمي أكثرها أهمية. ولكن ساهمت عدة عوامل في اتخاذ القرار الأخير الذي قضى بالبدء في إنهاء برنامج التيسير الكمي، بما في ذلك نجاح البرنامج الجزئي في رفع الاقتصاد، والمعوقات المؤسسية غير العادية المرتبطة بالوحدة النقدية، والصعوبات التي تواجه البيئة العالمية، والتهديدات للاستقرار المالي وسلامة أنظمة التقاعد.