فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English

بدأ الاقتصاد السنغافوري في التباطؤ. ويأتي هذا الاتجاه بعد أن كان النمو يتراوح حول أعلى مستوياته في ثلاث سنوات بسبب العوامل الخارجية الإيجابية المرتبطة بالتوسع العالمي المتزامن وازدهار الطلب على الأجهزة الإلكترونية خلال الفترة من الربع الرابع لعام 2016 إلى الربع الثاني من عام 2018. وتسيطر على الاقتصاد حالياً عوامل سلبية نتيجة تدهور توقعات النمو العالمي. ومع ضعف الطلب في الاقتصادات الكبيرة والناشئة (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان والصين)، تتراجع الصادرات السنغافورية، كما يؤثر المزاج العام على النشاط المحلي. ولأن الاقتصاد السنغافوري اقتصاد صغير ومفتوح وتشكل فيه التجارة الخارجية في السلع والخدمات ما يعادل 234% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن سنغافورة حساسة للغاية للتغيرات في اتجاهات الطلب العالمي. وخلال الربع الأخير، تراجعت الصادرات الحقيقية السنغافورية لأول مرة منذ أكثر من عامين. وقد ساهم هذا في حدوث انخفاض مفاجئ في نمو الناتج المحلي الإجمالي الرئيسي. وبالفعل، أصدرت وزارة التجارة والصناعة السنغافورية مؤخراً النسخة النهائية من بيانات نمو الناتج المحلي الإجمالي للربع الرابع من عام 2018، وبلغت نسبة النمو 1.9% منخفضة من نسبة 2.2% المتوقعة سابقاً.

وفي ظل هذا الواقع الاقتصادي، أعلنت الحكومة السنغافورية عن بدء تنفيذ موازنة توسعية لعام 2019. وهو ما يعني أن يتحول فائض الحكومة المركزية إلى عجز. ومن المتوقع أن يأتي دافع مالي قصير الأجل بصفة أساسية من زيادة طفيفة في الاستهلاك الخاص بسبب ارتفاع التحويلات الخاصة التي تقدم للفئات ذات الدخل المنخفض. كما يتوقع أن يؤدي جزء كبير من هذه الزيادة في الإنفاق إلى خلق دافع مالي على المدى الطويل. ويرجع السبب في ذلك إلى أن المخصصات الإضافية التي تذهب لصناديق الهبات والاستئمان سيتم توزيعها كدعم للرعاية الصحية للسنغافوريين خلال فترات زمنية تتجاوز السنة المالية بكثير.

رغم النهج الحذر المتبع بشأن التوجه التوسعي في سنغافورة، من المقرر أن تصبح السياسة المالية خط الدفاع الرئيسي لمواجهة أي مصاعب في مسار زيادة النمو. يتطرق تحليلنا إلى الأسباب الرئيسية الثلاثة للاعتماد المتوقع على سياسة مالية أكثر توسعية، سواء في المدى القصير أو على المدى الطويل.

أولاً، يحد إطار السياسة النقدية من امكانات تقديم تحفيزات نقدية في سنغافورة. وتقوم السياسة النقدية في سنغافورة على نظام سعر صرف يتميز بالتذبذب داخل نطاق محدد مقابل سلة عملات، يتم فيه تحقيق استقرار الأسعار من خلال إدارة سعر الصرف عوضاً عن إدخال تغييرات في سعر الفائدة الرئيسي. وبحسب الإطار التشغيلي لهيئة النقد السنغافورية (البنك المركزي)، يسمح لقيمة الدولار السنغافوري بالتقلب في نطاق (يقدر حاليا بنحو +/- 2%) مقابل سلة عملات غير معروفة - يعرف ذلك أيضاً باسم سعر الصرف الفعلي الاسمي. وبالتالي، يتم تعديل السياسة النقدية من خلال تغيير نطاق تحرك سعر الصرف الفعلي الاسمي للدولار السنغافوري أو "نطاق التذبذب". وعادة، يتم وضع نطاق التذبذب في مسار تصاعدي (اتجاه الارتفاع) أو مستقر (نطاق التحرك 0%). وبعد عامين من المسار المستقر بسبب الضغوط الانكماشية، بدأت هيئة النقد السنغافورية عملية تطبيع تدريجي خلال العام الماضي. وفي حين لا تعلن الهيئة صراحة عن نطاق تحرك سعر الصرف الفعلي الاسمي للدولار السنغافوري، هناك إجماع في السوق على أن نطاق الارتفاع محدد حالياً بنسبة 1.0% سنوياً، وهو ما يزال يعتبر متساهلاً. وفي حال تباطؤ الاقتصاد أكثر، يمكن لهيئة النقد السنغافورية أن تتمسك بموقفها وتقرر عدم زيادة نطاق تحرك سعر الصرف الفعلي الاسمي للدولار السنغافوري. لكن السقف مرتفع ومن الصعب عكس مسار تطبيع السياسة النقدية، خصوصاً أن توقعات التضخم لا تزال قوية وسوق العمل يشهد تشدداً قوياُ في السنوات الأخيرة.

 

chart

ثانياً، بفضل وضعها المالي الجيد واحتياطاتها المالية الضخمة، فإن الحيز المالي لسنغافورة واسع للغاية. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، تجاوزت الميزانية الأهداف المحددة بفضل الأداء المتفوق للإيرادات ووفورات المشاريع وتأخر التدفقات النقدية للإنفاق على التنمية. وإجمالاً، كانت فوائض الميزانية كبيرة. ووفقاً للدستور السنغافوري، يتوجب على الحكومة تقديم ميزانيات متوازنة لكل فترة، وهو ما يعني أن الإدارة الحالية يمكن أن تكون أكثر جرأة في عام 2020 وتقوم بصرف الفائض المتراكم الذي يتراوح بين 14 و15 مليار دولار سنغافوري. وإذا لم يتم إنفاق هذه الفوائض، فإن المبلغ سيُحتجز ضمن الاحتياطيات المالية طويلة الأجل لسنغافورة. ويُقدر أن الحكومة السنغافورية تحتفظ بما يقرب من واحد تريليون دولار أمريكي أو 200% من الناتج المحلي الإجمالي كأصول مالية، بما في ذلك 294 مليار دولار أمريكي من الاحتياطيات الرسمية بالعملات الأجنبية وأكثر من 700 مليار دولار أمريكي كأصول تحت الإدارة في صندوقين للثروة السيادية (شركة حكومة سنغافورة للاستثمار وتيماسيك) وذلك وفقاً لتقديرات معهد صناديق الثروة السيادية.

وثالثاً، من الأهمية بمكان وجود سياسة مالية أكثر مساندة لتخفيف قيود العرض على المدى المتوسط، ودعم إعادة التوازن الخارجي، ومعالجة التحديات الديمغرافية الرئيسية. وتعتبر الأموال العامة ضرورية لتعزيز إعادة الهيكلة الاقتصادية وتقديم الحوافز للشركات لزيادة الإنتاجية، بما في ذلك المزايا الضريبية للبحوث والتطوير وتوفير الموارد لتدريب العمال وإعادة التدريب. ومع ارتفاع نسبة االمسنين بين السكان وارتفاع فواتير الرعاية الصحية، يصبح من الضروري زيادة الإنفاق. وعلاوة على ذلك، من المرجح أن يؤدي وجود عدد أكبر من المسنين بين السكان وبناء شبكات أمان وتأمين اجتماعي أكثر شمولاً وقوة إلى خفض تدريجي في صافي المدخرات. وهذا من شأنه تعزيز الاستهلاك المحلي الخاص وتضييق الفوائض الكبيرة المستمرة في الحساب الجاري.

وبشكل عام، تظل السياسة المالية ميسرة، ومن المتوقع أن تتيسر أكثر خلال السنوات القادمة. ويتوقع أن تعوض السياسات الأكثر توسعاً عن التأثيرات السلبية الخارجية بالإضافة إلى تسهيل الجولات الجديدة من التحول الاقتصادي الهيكلي لسنغافورة.