فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English

بعد عدة أشهر من الركود، يتجه الاقتصاد الصيني الآن نحو الاستقرار مع بدء الاستجابة للحوافز المالية والنقدية. كما يتعزز هذا المنحى أيضاً من خلال تحسن المعنويات بعد أن أصبح التوصل إلى اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة أكثر ترجيحاً. يتطرق تحليلنا لهذا الأسبوع إلى المؤشرات الاقتصادية الرئيسية في الصين ويناقش كيف أن التغييرات الأخيرة في مزيج السياسات تبشر بالخير للنمو على المدى الطويل.

في العام الماضي، أصبح هدف الصين الذي كان يرمي للحفاظ على النمو السريع مع تقليص المديونية المالية أكثر صعوبة وسط العديد من المعوقات الخارجية. وفي الواقع، أدى ضعف الطلب العالمي وتزايد عدم اليقين بشأن النزاعات التجارية الدولية إلى اضطرار الحكومة الصينية إلى عكس المسار وتخفيف السياسة النقدية والمالية على نحو تدريجي. وقد بدأت النتائج تظهر أن أرقام نمو الناتج المحلي الإجمالي للربع الأول جاءت مفاجئة في اتجاه صعودي، مما يشير إلى أن تباطؤ النمو قد بلغ أدنى مستوياته في الدورة الأخيرة. وبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 6.4% على أساس سنوي في الربع الأول، أي نفس الوتيرة التي كان عليها في الربع الرابع، لكنه تجاوز التوقعات الإجماعية البالغة 6.3%. وبحسب النمو السنوي المعدل موسمياً على أساس ربع سنوي، تبدو النتيجة واعدة أكثر حيث تشير الأرقام إلى نمو بنسبة 7.1% في الربع الأول من عام 2019 مقابل 6.0% في الربع الأخير من عام 2018. ويتماشى هذا مع المفاجآت الإيجابية الأخيرة في الإنتاج الصناعي وفي بيانات مبيعات التجزئة.

وتشير المؤشرات الرئيسية مثل مؤشر مدراء المشتريات (PMI) وأنشطة الإقراض والاستثمارات إلى مزيد من الارتفاع خلال الأشهر القادمة. وانتعش مؤشر مدراء مشتريات التصنيع إلى المنطقة التوسعية أو ما يزيد عن 50 نقطة في شهر مارس بعد أن ظل لأشهر دون مستوى 50 نقطة أو ما يعتبر بشكل عام ضمن المنطقة الانكماشية. وكان التحسن ظاهراً أكثر على الشركات الصغيرة والمتوسطة في قطاع التصنيع والطلبات المستقبلية الجديدة. علاوة على ذلك، بدأت البيانات الإيجابية تتدفق أيضاً من مجالات نمو الائتمان الكلي والإنفاق الاستثماري في الأصول الثابتة للبنية التحتية. كما أن الصادرات إلى الصين من البلدان الآسيوية المصنعة، بحسب البيانات المبكرة، تظهر إشارات قوية على الاستقرار، بعد أن تضررت بشدة من زوال تأثير ما يسمى بالشحن الاستباقي في التجارة بين الولايات المتحدة والصين، أي عمل الشركات المتواجدة في الولايات المتحدة على زيادة الواردات من الصين في بداية العام الماضي لتخزينها قبل دخول التعريفات الجديدة حيز التنفيذ. كما يظهر هذا التحسن في الزيادة بنقطتين كاملتين في طلبات التصدير من مؤشر مدراء التصنيع في مارس، بشكل يقترب أكثر إلى المنطقة التوسعية بعد أن تراجع بشكل كبير إلى المنطقة الانكماشية ما بين أكتوبر 2018 وفبراير 2019.

وعلى نحو هام، يجري هذا التعافي على خلفية جولة جديدة من التحفيزات المالية والنقدية التي تستهدف القطاع الخاص بشكل رئيسي، وليس القطاع العقاري الذي يشهد مستوى مرتفعاً من الاستدانة ولا قطاع الشركات والهيئات المرتبطة بالحكومة.

 

chart

في الجانب المالي، تركز حزمة المحفزات الأكبر مما هو متوقع والتي تم الإعلان عنها في الاجتماع السنوي لمجلس الشعب الصيني في العام الماضي على تخفيض ضرائب الشركات بدلاً عن الإنفاق على البنية التحتية. وتشكل التخفيضات الضريبية البالغ قيمتها 300 مليار دولار أمريكي أكثر من 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع للصين وهي الأكبر من نوعها خلال عقد من الزمان. ومن شأن هذا الإجراء أن يساعد على تخفيف العبء الكبير الذي تخلفه الضرائب والرسوم على القطاع الخاص الصيني والذي يعد أحد الأسباب الرئيسية لتراجع نمو الاستثمار في القطاعات الأكثر إنتاجية والمزاج العام للأعمال.

أما في الجانب النقدي، يركز أيضاً تيسير السياسة النقدية هذه المرة بالتحديد على زيادة توفر الائتمان لقطاع الشركات الخاصة وليس فقط على قطاع تشييد العقارات أو الكيانات المرتبطة بالحكومة. وبالرغم من أن قطاع الشركات الخاصة في الصين يشكل أكثر من 70.0% من النشاط الاقتصادي ويساهم بنسبة تفوق ذلك في خلق الوظائف في المناطق الحضرية، لكنه ظل على الدوام مقترضاً هامشياً في القطاع المصرفي الصيني الذي تهيمن عليه الحكومة. ووفقاً للهيئة الصينية لتنظيم عمل البنوك وشركات التأمين (CBIRC)، تشكل أعمال القطاع الخاص حوالي الربع فقط من إجمالي القروض المصرفية. وتشير السلطات إلى عزمها على فرض ضوابط تنظيمية رسمية وغير رسمية لتحقيق نمو في ائتمان القطاع الخاص مع العمل على تقليل الائتمان المقدم للكيانات المرتبطة بالحكومة وكبح جماح أنشطة الإقراض خارج الميزانية العمومية أو في نظام الظل المصرفي. وقد اقترحت الهيئة الصينية لتنظيم عمل البنوك وشركات التأمين مؤخراً تحديد هدف غير رسمي بزيادة الإقراض إلى القطاع الخاص.

تمثلت خلفية هذه الخطوات التيسيرية في عملية التوازن الدقيق التي حاول المسؤولون الصينيون تحقيقها خلال الثلاث سنوات الماضية. وبعد فترة طويلة من النمو الاقتصادي الذي تغذيه الديون ويهدد في نفس الوقت على عدم صمود الاستقرار المالي على المدى الطويل، حاولت السلطات كبح جماح النمو الائتماني المفرط وخفض مستويات الديون.

من وجهة نظرنا، يعد النمو في قطاع الشركات غير التابعة للحكومة عاملاً أساسياً في تحقيق إعادة التوازن التدريجي للاقتصاد الصيني من النمو القائم على الاستثمار والنمو المعتمد على الائتمان المكثف إلى النمو المدفوع بالاستهلاك. وتتضمن أسباب ذلك حقيقة أن قطاع الشركات الخاصة أكثر كفاءة في استخدام وتوزيع رأس المال والذي يوظف الجزء الأكبر من سكان المدن.