فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English

يواجه صناع السياسات تحدياً صعباً يتمثل في تلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة مع السعي في نفس الوقت إلى تخفيض "انبعاثات" الغازات الدفيئة. ولتحقيق ذلك بنجاح، ينبغي التحول إلى أنظمة طاقة منخفضة الكربون تعتمد بشكل أكبر على مصادر الطاقة المتجددة وبشكل أقل على حرق الوقود الأحفوري. وقد تم تحديد أهداف طموحة في اتفاق باريس لسنة 2016، ولكننا لا نزال بعيدين عن تحقيق تلك الأهداف.

سنستخدم في هذا التقرير سيناريو شركة BP للانتقال المتطور لشرح وتوضيح العوامل الدافعة الرئيسية لتزايد الانبعاثات. ويفترض هذا السيناريو أن "السياسات الحكومية والتكنولوجيا والاختيارات الاجتماعية لا تزال تتطور بنفس الطريقة والسرعة التي شهدناها في الماضي القريب". وبحسب شركة BP، فإن التغير في الانبعاثات خلال الفترة من عام 2017 إلى عام 2040 سيعود إلى ثلاثة دوافع رئيسية وهي: النمو الاقتصادي (الناتج المحلي الإجمالي)، وكثافة استخدام الطاقة في الناتج المحلي الإجمالي، وكثافة انبعاثات الكربون في توليد الطاقة (انظر إلى الرسم البياني).

AR_Chart

من المتوقع أن يزيد عدد سكان العالم بأكثر من 20% إلى 9.2 مليار نسمة في عام 2040. وسيؤدي تزايد عدد السكان بالضرورة إلى زيادة الطلب على الطاقة، وهو ما سيؤدي بدوره إلى زيادة الانبعاثات. وبالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يرتفع متوسط دخل الفرد بشكل كبير، وعادة يزيد استهلاك الأشخاص للطاقة كلما زاد دخلهم. وسيؤدي التأثير المشترك لهذين العاملين إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بأكثر من الضعف في عام 2040. ويعتبر تأثير النمو الاقتصادي على الانبعاثات واضحاً للغاية. فباستبعاد التغيرات المحتملة في كفاءة استخدام الطاقة وفي حال بقاء العوامل الأخرى دون تغيير، سيؤدي النمو المضاعف في حجم الاقتصادات إلى مضاعفة الانبعاثات. مبدئياً، يمكننا تقليل الانبعاثات من خلال تقليص حجم الاقتصادات. لكن ذلك يتعارض من الجهود الرامية إلى تقليل الفقر وتوفير فرص عمل للمليارات من الأشخاص في البلدان منخفضة الدخل. ولذلك يتعين علينا البحث عن وسائل أذكى لتخفيض الانبعاثات.

الطريقة الأخرى التي يمكننا من خلالها خفض الانبعاثات هي تخفيض كثافة استخدام الطاقة في الاقتصادات، الذي يشار إليه أيضاً بتحسين كفاءة استخدام الطاقة. وهي وسيلة جيدة لتقليل الانبعاثات، حيث تؤدي العديد من الاستثمارات في كفاءة استخدام الطاقة إلى تقليل المصروفات بشكل كبير لدرجة أن هذه الاستثمارات تغطي تكاليفها بالكامل بعد فترة من الوقت. ولحسن الحظ، فإن بعض أنواع الاستثمار في مجال كفاءة استخدام الطاقة تعتبر مغرية بما يكفي لاعتبارها مجدية بمفردها. فعلى سبيل المثال، يتم حالياً تزويد أغلب السيارات والمباني الجديدة بمصابيح LED. لكن للأسف، وعلى الرغم من تأثيرها الإيجابي، أحياناً لا يكون العائد لبعض الاستثمارات في مجال كفاءة استخدام الطاقة كافياً لتشجيع الأشخاص للاستثمار فيها بشكل مستقل نظراً لتكلفة رأس المال ومخاطر تطبيق تلك المشاريع. ولذلك هناك حاجة لتطبيق سياسات حكومية، بما في ذلك فرض اللوائح التنظيمية وتقديم الدعم، لتشجيع بعض الاستثمارات في مجال كفاءة استخدام الطاقة. على سبيل المثال، تدعم الحكومة البريطانية تكاليف تركيب المواد العازلة في المنازل، وذلك يحسن كفاءة استخدام الطاقة بشكل كبير، لكن تكلفة تركيب تلك المواد مرتفعة جداً بالنسبة للأسر منخفضة الدخل ما لم تحصل على نوع من الدعم. وعلى الرغم من التحسن المتواصل في مجال كفاءة استخدام الطاقة، إلا أنه لا يواكب تزايد الطلب على الطاقة، خاصةً في الاقتصادات الناشئة والدول النامية. ولذلك يتعين علينا البحث عن وسائل أخرى لتخفيض الانبعاثات.

الطريقة الأخيرة لتقليص الانبعاثات هي من خلال تقليص كثافة انبعاثات الكربون في عملية توليد الطاقة. والمثال الأكثر وضوحاً على ذلك هو زيادة استخدامنا لمصادر الطاقة "المتجددة" (طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة المائية والطاقة الحرارية الأرضية). ولطالما استخدمت مصادر الطاقة هذه في بعض التطبيقات المتخصصة، لكن الدعم القوي من السياسات خلال العقد الماضي إلى جانب التطور التكنولوجي قد ساعدا في خفض تكلفتها بشكل كبير. وتعتبر الطاقة المتجددة حالياً تنافسية من حيث التكلفة مقارنة بإنتاج الكهرباء بواسطة الوقود الأحفوري في العديد من الظروف. وعلى سيبل المثال، فإن تكلفة إنتاج الكهرباء باستخدام الألواح الشمسية قد تراجعت بنسبة 73% منذ 2010.

وبالفعل، أصبح هناك استخدام كثيف للطاقة المتجددة في كل من كاليفورنيا وألمانيا، بحيث يتم في الأيام المشمسة شديدة الرياح في الصيف انتاج الكثير من الطاقة إلى حد يصبح معه سعر الكهرباء سلبياً. والسبب وراء تراجع السعر لمستوى سلبي هو أن هذا الإمداد الزائد من الطاقة يمكن أن يزعزع استقرار شبكة الكهرباء، وبالتالي تكون هناك حاجة لحث بعض الموردين على التوقف عن الإنتاج. وتساعد ترقية شبكة الكهرباء مع زيادة سعة التخزين على تخفيف المشكلة خلال اليوم. وبعبارة أخرى، فإن التخزين يسمح باستخدام الطاقة الشمسية، التي يتم انتاجها خلال النهار، في الليل عندما تغيب الشمس.

ويرتفع الطلب على الطاقة خلال فصل الشتاء أكثر من الصيف في أغلب البلدان المستهلكة للطاقة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. لكن إنتاج مصادر الطاقة المتجددة، خصوصاً الطاقة الشمسية، يكون أكثر في الصيف منه في الشتاء. وبالتالي، لا يزال الوقود الأحفوري مطلوباً من أجل موازنة الطلب على الطاقة كمكمل لمصادر الطاقة المتجددة. إن الانبعاثات الناتجة عن إنتاج الكهرباء بالغاز الطبيعي تقل بنسبة تزيد عن 50% عن حرق الفحم. لذلك، سيستفيد الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال من النمو القوي والمستمر في الطلب العالمي على الطاقة، على الرغم من التحول من استخدام الفحم.

إن هذا النمو القوي والمستمر في الطلب على الغاز الطبيعي المسال، ودوره في دعم الانتقال إلى نظام الطاقة منخفضة الكربون، هو ما يحفز خطط دولة قطر لزيادة طاقتها الإنتاجية من الغاز الطبيعي المسال. وستتطلب هذه الزيادة في الطاقة الانتاجية استثمارات ضخمة في كل من البر والبحر، بما في ذلك بناء أربع محطات ضخمة جديدة لمعالجة الغاز الطبيعي المسال. وستؤدي هذه الزيادة إلى تعزيز الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال في قطر من 77 مليون طن سنويًا في الوقت الحالي إلى 110 مليون طن.

وبالإضافة إلى التأثير المباشر على الناتج المحلي الإجمالي لقطاع النفط والغاز، فإن هذه المرحلة الاستثمارية القادمة، والتي من المفترض أن تبدأ من عام 2020 فصاعدًا، ستولد تأثيرات مضاعفة وكبيرة على كافة قطاعات الاقتصاد. وستدعم خطط قطر لزيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال جهود حماية البيئة. وبالإضافة إلى تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فإن الغاز الطبيعي المسال يحتوي على انبعاثات جزيئية منخفضة، وانبعاثات منخفضة من أكسيد النيتروجين والكبريت، مما يجعله مصدر طاقة أنظف ولا يسبب الكثير من تلوث الهواء مقارنةً مع غيره من أنواع الوقود الأحفوري الأخرى.

ويستمر مفهوم الاستدامة البيئية في اكتساب المزيد من الأهمية في القطاعين العام والخاص في دولة قطر. وقد شجع ذلك على تطوير مبادرات جديدة في العديد من الشركات المملوكة للدولة والخاصة. وباعتبارها دولة رئيسية مصدرة للوقود الاحفوري ومن بين أغنى الدول في العالم، تسعى قطر إلى المشاركة بشكل فعال من خلال تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة المحلية ووضع خطط للتكيف مع تغير المناخ.