ماذا يعني "استكمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي" في الحقيقة؟

نشر يوم : Sun, 22 Dec 2019

كان وعد رئيس الوزراء جونسون بـ "استكمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكسيت)" شعاراً قوياً للانتخابات منحه فوزاً ساحقاً وأغلبية برلمانية كبيرة تبلغ 80 مقعداً. وهذا يعني أنه بات من المؤكد تقريباً أن يفوز بالتصويت في البرلمان حول نسخته لاتفاقية الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. بعد ذلك، ستغادر المملكة المتحدة رسمياً الاتحاد الأوروبي في يناير 2020. وسيتم تنفيذ البريكسيت خلال فترة انتقالية تظل خلالها القواعد واللوائح متوافقة مع الاتحاد الأوروبي.

تنتهي الفترة الانتقالية في ديسمبر 2020، وفقاً لاتفاقية الانسحاب، وقد التزم رئيس الوزراء جونسون بعدم تمديدها. ولكن من المرجح أن يكون التفاوض على صفقة تجارية مع الاتحاد الأوروبي أكثر صعوبة من التفاوض على اتفاقية الانسحاب، ويمكن أن يستمر فعلاً إلى ما بعد الموعد النهائي الذي حدده جونسون، أي ديسمبر 2020.

أمام المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وقت محدود لا يتجاوز الصيف القادم للتوصل إلى اتفاق يمكن تنفيذه بحلول نهاية عام 2020 أو السعي لتمديد الفترة الانتقالية، إذا لم يكن هناك اتفاق تجاري جاهز. وذلك لأن التصديق الرسمي على الاتفاقيات التجارية للاتحاد الأوروبي يتطلب أكثر من أربعة أشهر من الفحوصات القانونية والترجمة.

مع أخذ ما سبق في الاعتبار، فسوف ننظر في ثلاثة سيناريوهات: أولاً، التوصل إلى صفقة تجارية سريعة. ثانياً، تمديد ترتيبات الفترة الانتقالية. ثالثاً، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق تجاري.

ويزعم رئيس الوزراء جونسون أن التوصل لاتفاق تجاري سريع سيكون أمراً ميسراً لأن الأساس هو التطابق الكامل في القوانين واللوائح بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوربي. لكن، يبدو من الواضح أن رئيس الوزراء جونسون يرغب في أن تبتعد المملكة المتحدة عن قوانين ومعايير الاتحاد الأوربي. فعلى سبيل المثال، قال جونسون أن المملكة المتحدة ستحيد عن قواعد الدعم الحكومي الخاصة بالاتحاد الأوربي من أجل تسهيل الدعم للقطاعات المتعثرة. وسيكون ذلك بمثابة انحراف واضح عن مبدأ "الملعب المتكافئ" الذي يصر عليه الاتحاد الأوروبي في المفاوضات التجارية مع البلدان الأخرى.

وبالتالي، فإننا لا نعتقد أن الاتحاد الأوربي سيقبل أن يكون للمملكة المتحدة قواعد وسياسات مستقلة بشأن الدعم الحكومي وقانون العمل والبيئة والضرائب والهجرة، وتحتفظ في ذات الوقت بحق الوصول الكامل لسوق الاتحاد الأوربي.

لدى الاتحاد الأوروبي فائض كبير في تجارة السلع مع المملكة المتحدة (126 مليار دولار أمريكي في عام 2018). لذا، فليس من المستغرب أن يكون كبير المفاوضين في الاتحاد الأوروبي، ميشيل بارنييه، قد قال إن هدفه سيكون إبرام صفقة توفر تجارة معفاة من الرسوم الجمركية وبدون محاصصات. لكن، ظل لدى الاتحاد الأوروبي عجز مستمر في تجارة الخدمات مع المملكة المتحدة (37- مليار دولار أمريكي في عام 2018). في الواقع، ظلت مدينة لندن على مدى التاريخ تقدم الخدمات المالية والمهنية بشكل سلس إلى دول الاتحاد الأوروبي الأخرى. وتميل اتفاقات التجارة الدولية إلى عقد تفاهمات أقل بشأن فتح الأسواق للتجارة في الخدمات عما تفعله بالنسبة للسلع. كما أنه من الواضح أن عواصم أوروبية أخرى تعمل جاهدة بالفعل لجذب الأعمال بعيداً عن لندن.

 

والآن، سنتطرق لاحتمال عدم توصل المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي لصفقة تجارية واتفاقهما بدلاً عن ذلك على تمديد ترتيبات الانتقال. لقد وعد رئيس الوزراء جونسون صراحة بعدم القيام بذلك في بيانه الانتخابي، ويُرجح أن السبب كان هو ضمان أصوات الأشخاص الذين يفضلون خروجاً قاسياً لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي في الانتخابات. ولكن سبق أن تراجع جونسون عن العديد من الوعود السابقة. وعليه نعتقد بأن التمديد هو السيناريو الأرجح لسببين. أولاً، ينص اتفاق الانسحاب بالفعل على تمديد محتمل حتى عام 2022. ثانياً، إن الغالبية البرلمانية الكبيرة لرئيس الوزراء جونسون تحميه من مؤيدي الخروج القاسي لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي داخل حزبه، والذين قد يحاولون الإطاحة به من خلال سحب الثقة.

وأخيراً، سننظر في احتمال عدم التوصل لصفقة تجارية قبل نهاية عام 2020 وتمسك رئيس الوزراء جونسون بوعده بعدم تمديد الفترة الانتقالية. في الواقع، ستكون هذه النتيجة مشابهة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق، وهو ما كتبنا عنه في تقرير سابق. وبعد انتهاء الفترة الانتقالية، ستبدأ المملكة المتحدة في التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي في 2021 بحواجز وحصص وتعريفات تجارية محددة وفقاً للقواعد الأساسية لمنظمة التجارة العالمية. وقد تجنب رئيس الوزراء جونسون الحديث عن هذا الاحتمال من خلال الإصرار ببساطة على أنه سيتم التوصل إلى صفقة.         

كخلاصة، نرى أن السيناريو الأكثر احتمالاً هو تمديد ترتيبات الفترة الانتقالية. إن التحديات المذكورة أعلاه تعني إنه من غير المحتمل أن يتم التوصل إلى صفقة تجارية سريعة، وأن السماح بانتهاء ترتيبات الفترة الانتقالية بنهاية العام 2020 مع عدم وجود صفقة تجارية سيكون بمثابة صدمة شديدة وغير ضرورية للاقتصاد البريطاني. لذلك، من المرجح أن تستمر حالة عدم اليقين المتعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حتى عام 2020 وما بعده. ولكن الأغلبية البرلمانية الكبيرة لرئيس الوزراء جونسون ستسمح له باتخاذ تدابير سياسية لتحفيز الاقتصاد البريطاني والقضاء على بعض المعوقات الناتجة عن عدم اليقين المستمر. على وجه الخصوص، تعني تكاليف الاقتراض القريبة من الصفر إنه بإمكان حكومة المملكة المتحدة اقتراض مليارات الجنيهات وإنفاقها على الاستثمار لدعم النمو الاقتصادي في المملكة المتحدة.

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير  عربي و  English