طريق وعرة أمام الاقتصاد العالمي للتأقلم مع الوضع الجديد الناتج عن كوفيد- 19

نشر يوم : Sat, 24 Oct 2020

نشر صندوق النقد الدولي مؤخراً تحديث شهر أكتوبر 2020 لتقريره حول آفاق الاقتصاد العالمي. ويسلط التقرير الضوء على الانخفاض غير المسبوق في الناتج المحلي الإجمالي العالمي في الربع الثاني من عام 2020، عندما تم إغلاق حوالي 85 في المائة من الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى ذلك بـ "الإغلاق الكبير".

وقد بدأ الاقتصاد العالمي يتعافى من التداعيات العميقة لهذه الأزمة، لكن الوباء لم ينته بعد. ومن الآن فصاعداً، يتوقع صندوق النقد الدولي حدوث انتعاش جزئي ومتقطع في عام 2021، وذلك يمثل بداية ما أسماه الصندوق "رحلة الصعود الطويلة" (الرسم البياني 1). ونحن نتفق بشكل عام مع هذه النظرة، لكننا نعتبرها "طريقاً وعرةً إلى وضع طبيعي جديد" لأننا لا نحبذ فكرة أن الاقتصاد العالمي مر بهبوط طويل مماثل.

ويتمثل الوضع الطبيعي الجديد في وجود كم هائل من التدابير الاقتصادية الاستثنائية المطلوبة لدعم الاقتصاد العالمي. وفي ظل عدم تعافي الميزانيات العمومية للبنوك المركزية وأسعار الفائدة بعد من تداعيات الأزمة المالية العالمية لسنة 2008، تحوّل الاهتمام إلى السياسة المالية. في الواقع، يقدر صندوق النقد الدولي أن "الحكومات قدمت حوالي 12 تريليون دولار أمريكي من الدعم المالي للأسر والشركات". ولم تكن البنوك المركزية بمنأى عن تلك الجهود، فقد استجابت للأزمة بتخفيض أسعار الفائدة إلى الصفر في كثير من الحالات وضخ كميات غير مسبوقة من السيولة في البنوك وأسواق الائتمان. وقد أدى ذلك إلى الحفاظ على تدفق الائتمان، مما ساعد ملايين الشركات على الاستمرار في مزاولة الأعمال.

ومع ذلك، يوجد تفاوت كبير بين مختلف البلدان من حيث فعالية تدابير احتواء الوباء وقدرتها على توفير الدعم عبر السياسات الاقتصادية. فبالنسبة للعديد من الاقتصادات المتقدمة، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا يزال الانكماش الاقتصادي مؤلماً، بينما تتعافى الصين بشكل مستقر وأقل اضطراباً (الرسم البياني 2).

تخيم على المسار المستقبلي حالة غير مسبوقة من عدم اليقين. ويمكن أن يساعد التقدم السريع في إيجاد اللقاحات والعلاج في تقليل معدلات العدوى والوفيات وتسهيل الطريق إلى الوضع الطبيعي الجديد. لكن، قد تزداد الأمور سوءاً أيضاً، خاصة إذا تفاقم الوضع الحالي في ظل ارتفاع معدلات الإصابة في العديد من البلدان.

لا تزال المخاطر مرتفعة، بما في ذلك ارتفاع حالات الإفلاس وفقدان الوظائف والمبالغة المحتملة في التقييم في بعض الأسواق المالية. في الوقت نفسه، أصبحت العديد من البلدان أكثر عرضة للمخاطر. فقد ارتفعت مستويات الدين بسبب الاستجابة المالية والانخفاض الكبير في إيرادات الشركات في العديد من قطاعات الاقتصاد. ويقدر صندوق النقد الدولي أن الدين العام العالمي سيصل إلى مستوى قياسي يبلغ حوالي 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020.

نسلط الضوء على ثلاث أولويات لصناع السياسات.

أولاً، حماية صحة الناس. فالعلاج الفعال وعمليات الاختبار وتتبع المخالطين أمر حيوي. ومن شأن التمويل الحكومي وكذلك التعاون الدولي بشكل أفضل لتنسيق الجهود الرامية لتصنيع اللقاح وتوزيعه أن يساعدا في ذلك. وكما يقول صندوق النقد الدولي: "فقط من خلال هزيمة الفيروس في كل مكان يمكننا ضمان الانتعاش الاقتصادي الكامل في أي مكان".

ثانياً، يُعد السحب المبكر للدعم المقدم عبر السياسات مخاطرة واضحة. ففي البلدان والمناطق التي يستمر فيها الوباء في الانتشار، من المهم الحفاظ على شريان الحياة للشركات والعاملين الأكثر تأثراً، بما في ذلك التأجيل الضريبي وضمانات الائتمان والتحويلات النقدية وإعانات الأجور. ولا تزال هناك حاجة إلى استمرار التحفيزات النقدية ودعم السيولة لضمان تدفق الائتمان والسيولة للحفاظ على الوظائف والاستقرار المالي.

ثالثاً، لا تزال السياسة المالية المرنة وذات الطابع الاستشرافي تبدو مطلوبة لتحقيق انتعاش مستدام. فقد عجلت هذه الأزمة حدوث تحولات هيكلية عميقة تتطلب إعادة توزيع رأس المال واليد العاملة. ويمكن للسياسة المالية أن تساعد في تحفيز عملية خلق فرص عمل جديدة.

تفترض توقعات صندوق النقد الدولي أن يلتزم صناع السياسات بتنفيذ هذه الأولويات، وهو أمر معقول مبدئياً، لكنه لن يكون سهلاً. لذلك، فإننا نرى أن المخاطر ستظل مرتفعة، مما يشكل عاملاً سلبياً، ونتوقع أن تظل كل من الشركات والمستهلكين حذرين حتى يصبح الطريق أمامنا أكثر وضوحاً وأقل صعوبة.

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير   عربي و English