مشكلات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تشكل عائقاً مستمراً للاقتصاد البريطاني

نشر يوم : Sun, 02 Jun 2019

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English

ظلت المشكلات المتعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تشكل عائقاً مستمراً على الاقتصاد البريطاني منذ استفتاء يونيو 2016 عندما صوتت المملكة المتحدة بفارق ضئيل لصالح "مغادرة" الاتحاد الأوروبي بدلاً من "البقاء" فيه. وقد انخفضت قيمة العملة البريطانية (الجنيه الإسترليني) بشكل حاد بعد الاستفتاء وبقيت أقل بنسبة 17% من متوسط الخمس سنوات السابقة (انظر الرسم البياني 1).

AR Chart 1

في الواقع، لقد أثرت إشكالات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بالفعل على الاقتصاد البريطاني. ويقدر بنك غولدمان ساكس مقدار هذا التأثر بنسبة 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي. ويتمثل التأثير بصفة أساسية في ضعف الثقة، الأمر الذي يتسبب في إنفاق المستهلكين بشكل أقل، واستمرار الشركات في الاستثمار بشكل أقل مما كان سيحدث بدون مخاطر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وقد تفاوضت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي حول صفقة الخروج مع الاتحاد الأوروبي، ولكن لم تكن نتائج هذه المفاوضات مقبولة شعبياً على نطاق واسع ما أدى إلى رفضها مراراً في ثلاث "جلسات تصويت على الخروج من الاتحاد الأوربي " من قبل البرلمان البريطاني (انظر الرسم البياني 2). ونتيجة لذلك، تأخرت عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عدة مرات، ومن المقدر لها حالياً أن تتم في 31 أكتوبر.

حاول البرلمان وفشل في كسر الجمود من خلال سلسلة من "عمليات التصويت الإرشادية" في 27 مارس (انظر الرسم البياني 2). بالإضافة إلى ذلك، أعلنت رئيسة الوزراء ماي أنها ستتنحى عن زعامة حزب المحافظين في 7 يونيو. وقد تستمر عملية انتخاب زعيم جديد (والذي سيصبح رئيس الوزراء الجديد) حتى شهر سبتمبر. ولكن أي فائز بالسباق ليصبح رئيساً للوزراء سيواجه نفس الخيارات الأربعة الصعبة.

 

AR Chart 2

أولاً، فإن رئيس وزراء جديد قد يحاول الدفع بمقترح مشابه لصفقة رئيسة الوزراء تيريزا ماي. لكن يبدو ذلك غير محتمل حيث أنه مرفوض بشكل واضح من قبل أغلبية الأعضاء في البرلمان. وفي حين يعتبر ما يسمى "شبكة الأمان الإيرلندية" غير مقبول للمشككين في أوربا، فإن أغلبية النواب يدعمون إما الخروج السلس أو خيار " البقاء ".

ثانياً، يمكن لرئيس وزراء جديد إرضاء المشككين في أوربا باقتراح انفصال صعب أو محاولة التهديد بعدم التوصل لاتفاق. وفي حال الخروج دون اتفاق، فإن المملكة المتحدة ستنفصل فوراً عن الاتحاد الأوربي وبشكل غير منظم على الأرجح. وقال مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا (المركزي) في مقابلة مع قناة سكاي نيوز أن "الخروج دون اتفاق قد يحصل صدفة وقد يحدث فجأة، ولن تكون هناك فترة انتقالية. سيكون خروجاً عرضياً غير منظم". كما أشار كارني إلى أن "البرلمان يعارض الخروج دون اتفاق والحكومة كذلك ضد الخروج دون اتفاق، والاتحاد الأوربي ضد الخروج دون اتفاق، لكن إمكانية حدوث ذلك لا تزال قائمة، إنه الخيار الافتراضي". ويشير نموذج بنك إنجلترا لسيناريوهات الخروج دون اتفاق إلى أن مستوى الناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة سيتراجع بنسبة 2.75% إلى 4.25% بعد ثلاث سنوات بالنسبة لحالة الأساس، وهو ما يفترض معه التوصل إلى اتفاق.

ثالثاً، يمكن لرئيس الوزراء الجديد أن يستقطب مؤيدي البقاء في الاتحاد الأوروبي وأن يقترح إجراء خروج ناعم من الاتحاد. إلا أن تحقيق الخروج الناعم أمر صعب لأنه مرفوض من قبل كل من أعضاء البرلمان الذين يؤيدون الخروج الصعب من الاتحاد وأولئك الذين يؤيدون البقاء فيه. وبالفعل، تم طرح العديد من المقترحات لتحقيق خروج أكثر نعومة من الاتحاد الأوروبي ولكن فشلت جميعها في الحصول على تأييد الأغلبية البرلمانية (انظر إلى الرسم البياني رقم 2). وبالطبع، فإن أكثر أنواع الخروج من الاتحاد الأوربي نعومةً هو عدم الخروج منه، لكن ذلك يتطلب حصول خيار البقاء في الاتحاد على تأييد شعبي إما من خلال إجراء انتخابات عامة أو تنظيم استفتاء ثان.

ويتمثل الخيار الرابع في تأجيل خروج بريطانيا من الاتحاد إلى ما بعد تاريخ 31 أكتوبر. ونعتقد أن هذا الخيار هو المسلك الأرجح نظراً للتحديات التي تعرقل كافة الخيارات الأخرى. فتأخير الخروج من الاتحاد سيوفر الوقت اللازم لتنظيم انتخابات عامة أو استفتاء ثان، وذلك ضروري على الأرجح للخروج من المأزق الحالي. ونتوقع موافقة الاتحاد الأوروبي على تمديد مهلة الخروج نظراً للظروف الراهنة، حيث يمكن لبريطانيا اللجوء إلى المادة 50 من معاهدة لشبونة للاتحاد الأوروبي لتأجيل الخروج لعامين.

وهناك تصدعات عميقة في المعسكرين المؤيد والمعارض للخروج بكلا الحزبين الرئيسيين، وهو ما يجعل التنبؤ بنتائج التصويت المستقبلي أصعب من أي وقت مضى.

وتعتبر نتائج التصويت الخاص بالبرلمان الأوروبي في الأسبوع الماضي دليلاً على ذلك، فقد تعرض حزبا المحافظين والعمال لنكسة كبيرة. فالظهور القوي لحزب "بريكست" المؤيد للخروج بزعامة نايجل فرج سيجدد دعوات المعسكر المؤيد للخروج من الاتحاد بأي ثمن، وذلك على الرغم من فوز الأحزاب المؤيدة للبقاء في الاتحاد بعدد أكبر من الأصوات والمقاعد مقارنةً بحزب "بريكست".

ومن ناحية أخرى، تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن الانتخابات العامة ستؤدي إلى برلمان معلق يكون الحزب الأكبر فيه حزب العمال. كما أيد أغلب البرلمانيين من حزب العمال (198 من أصل 245) إجراء تأييد استفتاء ثان في التصويت الاسترشادي.

إذن، بالرغم من الفتور الذي تعاني منه كافة الأطراف، من المتوقع أن تمتد أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والشكوك المحيطة بها حتى عام 2020، وهو ما سيؤدي إلى استمرار العوامل السلبية التي تثبط النمو الاقتصادي في أوروبا.